الملك آرثر: أسطورة السيف


الملك آرثر: أسطورة السيف

د. رياض عصمت
    لا يمر عقد من السنين إلا وتطالعنا السينما العالمية بإنتاج جديد لقصة الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة. مرةً، تتناول قصة حبه لزوجته الملكة جوينفيير، وصداقته مع الفارس لانسلوت، وحقيقة الصلة بين هؤلاء الثلاثة. ومرةً أخرى، تتناول رؤيا المملكة التي أسسها الملك آرثر، بحيث صارت "كاميلوت" رمزاً رائداً للديمقراطية والحكم العادل. أول ما يتبادر للذاكرة من تلك الأفلام "فرسان المائدة المستديرة" (1953) من إخراج ريتشارد ثورب وبطولة روبرت تايلور وآفا غاردنر. كان على الفيلم التالي أن ينتظر طويلاً، وجاء فيلماً غنائياً بعنوان "كاميلوت" (1967) أخرجه جوشوا لوغان وتقاسم بطولته ريتشارد هاريس وفانيسا ريدغريف وفرانكو نيرو. لعل الفيلم الثالث هو الأعلى تقديراً، وهو فيلم "إكسكاليبر" (1981) من إخراج جون بورمان وبطولة هيلين ميرين ونيجل تيري. ثم جاء فيلم "الفارس الأول" (1995) من إخراج جيري زوكر وبطولة شون كونري وريتشارد غير وجوليا آرموند. في عام 1998، ظهر فيلم كارتون طويل بعنوان "سحر السيف"، وثلاثية تلفزيونية بعنوان "مِرلين" (وهو الساحر الشهير الذي صنع السيف الخارق إكسكاليبر،)  ولعب البطولة سام نيل وهيلينا بوهام-كارتر وجون غيلغود ولينا هيدي. أما فيلم "الملك آرثر" (2004)، فأخرجه أنطوان فوكوا ولعب بطولته كلايف أوين وكييرا نايتلي. أخيراً، نصل إلى فيلم المخرج البريطاني غاي ريتشي "الملك آرثر: أسطورة السيف" (2017)، وهو يشكل إضافة نوعية فريدة لتلك السلسلة من الأفلام التاريخية، إذ أضفى على القصة طابعاً أسطورياً صارخاً وشديد البهرجة، مستخدماً التقنية الكومبيوترية في إحراز خدع بصرية مبهرة ليجعل فيلمه ينتمي إلى الألفية الثالثة، ويصبح من الصعب مجاراته لاثنتي عشرة سنة قادمة.

    يبدأ الفيلم قبل أحداث حكاية الملك آرثر المعروفة، وينتهي الفيلم عند بدايتها. علينا ألا نستغرب ذلك إذا علمنا أن المخرج غاي ريتشي يعتزم جعل فيلمه "الملك آرثر: أسطورة السيف" فاتحة سلسلة مكونة من ستة أفلام. نرى في المشاهد الأولى للفيلم كفاح والد آرثر بشجاعة فائقة ضد غزو قوى الشر لمملكته مع أفيال عملاقة، وتصديه بسيف إكسكاليبر السحري للقضاء على زعيم الأشرار، وبالتالي هزيمة جيشه ومخلوقاته الأسطورية العملاقة جميعاً. لكن آرثر سرعان يشعر بالخيانة تدب في قصره من قبل أخيه فورتيغرن، ويحاول النجاة بزوجته وابنه الصغير بواسطة قارب، لكن الأخ الشرير يظهر متلبساً صورة فارس عملاق، فيقتل والدة الطفل آرثر أمام عينيه، ويشتبك مع الأب في معركة غير متكافئة يصرعه فيها، إنما ليس قبل أن يهرب ابنه الوحيد على متن قارب في الظلام، ويطيح بسيفه في الهواء ليخترق ظهره ويغرق ليصبح مغروساً في صخرة لا يتزحزح منها بقبضة أعتى الرجال، لأن المكتوب ألا يعتلي العرش إلا من انحدر من تلك السلالة الملكية الشريفة. يتابع الفيلم نجاة الطفل، ونشأته بالصدفة بين دار للبغاء ومدرسة للمصارعة، حيث يشتد عوده كصبي، ويتلقى تدريجياً كفتى فنون القتال حتى يبز الجميع، ويكبر ليصبح شاباً وسيماً وقوي البنيان. يلاحق الأخ الشرير فورتيغرن، الذي لبس التاج واغتصب العرش، كل من يشتبه في كونه ابن أخيه الهارب بامتحان سحب السيف السحري من الصخر، فلا يتمكن أحد من ذلك. عندما يساق آرثر الشاب معتقلاً مع مئات الأسرى، يتقدم من الصخرة وينتزع السيف بسهولة من الصخر. لكن الإمساك بقبضة السيف يوقع به صدمة فيسقط مغمياً عليه، إذ تراوده ومضة كابوس مخيف تمثل ذكرى مصرع أمه وأبيه على يدي الفارس العملاق الغامض.يسوق الجنود آرثر إلى القصر، ويتعرف العم الطاغية على آرثر رغم جهل الشاب لهويته، ويأمر اتباعه أن يخرجوا به مقيداً إلى شرفة قصره أمام حشود الشعب الذين تحمسوا لظهوره، ويأمر جلاداً بقطع رأسه. لكن ساحرة شابة خيرة مناصرة للبطل تسيطر بقدرتها الذهنية على الحيوانات والطيور، وتحركها لتهاجم الجنود وتنقذ آرثر من الإعدام، بينما يهب ثوار مناضلين ضد الاستبداد لإنقاذه وتهريبه إلى ملاذ آمن بعيداً عن سلطة الطاغية. يستمر الفيلم بمغامرات عديدة، تنتهي بهجوم الثوار على قلعة الطاغية المنيعة، ومعركة فاصلة بين الملك آرثر مسلحاً بسيفه السحري والفارس العملاق الذي يتكشف أن عمه الطاغية يتقمص هيئته. لا يستطيع آرثر تحقيق الانتصار إلا عندما يتمكن من مواجهة خوفه الداخلي من الكابوس، واستعادة ذهنه مشهد ما اقترفه عمه تجاه أمه ثم أبيه بوضوح كامل. عندها يستجمع آرثر قواه، ويهجم بسيفه ليلحق بالشرير الهزيمة، ويطعنه طعنة نجلاء تنهي جبروته. تأتي نهاية الفيلم، وهي مشهد بداية تكوين فرسان المائدة المستديرة، إذ ينصب آرثر من ساعده من الثوار الشرفاء فرساناً، ويعطيهم مسؤولية مشتركة متساوية معه كملك في إدارة شؤون البلاد، مرسياً اسس واحدة من أوائل الديمقراطيات في التاريخ. 

    لجأ المخرج غاي ريتشي – كعادته – إلى أسلوب اللقطات الخاطفة والمونتاج الحاد في أكثر من مقطع من الفيلم، ليرافق سرد الأحداث المروية شفوياً من إحدى الشخصيات أو أكثر، وهو أسلوب سبق أن استخدمه في جزئي "شرلوك هولمز" من بطولة روبرت داوني جونيور وجود لو. لكن الإصرار على استخدام هذا الأسلوب في غير موضعه ترك أثراً سلبياً مشوشاً على المشاهدين، في حين لم يرق لمعظم النقاد. باستثناء تلك المقاطع الاعتراضية لسياق وتسلسل الفيلم، والتي أضعفت تصاعده وتشويقه، لا شك أن المخرج غاي ريتشي تمكن من تضمين فيلمه لمحات مشهدية مبهرة ومؤثرة، منها علاقة الطاغية السرية بساحرات ثلاث يشبهن ساحرات "ماكبث" شكسبير، وإن كن يملكن أذرعاً أخطبوطية ويعشن تحت سطح الماء. كما ضمن فيلمه شخصية الساحرة الشابة الخيرة، التي هي امتداد للساحر العجوز مِرلين. بالمقابل، نجده وكاتبا السيناريو يحرمان البطل آرثر من أية قصة حب، بل حتى من اية لمسة عاطفية خلال أكثر من ساعتين من الأحداث المضطرمة، التي تذكر المشاهد الافتتاحية منها بفيلم "سيد الخواتم"، حيث يلعب الخيال دوراً أساسياً، وتتجاوز الحروب مع تلك الأفيال هائلة الحجم الحروب المألوفة في عالم البشر. ربما كان ذلك الأسلوب الأميل إلى التجارية هو ما نفر منه بعض النقاد، وإن راقت تلك المشاهد للأغلبية الساحقة من الجمهور.

    وظف غاي ريتشي طاقماً تقنياً بارعاً سبق أن تعاون معه في أكثر من فيلم من قبل، تضمن مدير التصوير القدير جون ماثيسون، والمونتير جيمس هربرت، والمؤلف الموسيقي دانيال بيمبرتون، الذي وضع موسيقا تصويرية غريبة وحداثية، بل غير مألوفة إطلاقاً في هذا الطراز السينمائي، لكنها انسجمت مع خيار ريتشي أن يتجاوز حدود الفيلم التاريخي، ليقدم فانتازيا فاقعة الخيال والمبالغة، تشبه في كثير من ملامحها أفلام الخيال العلمي مثل "ثور" و"المنتقمون" و"حرب النجوم". كتب القصة الأصلية للفيلم كل من ديفيد دوبكن وجوبي هارولد، وكتب السيناريو والحوار جوبي هارولد مع ليونيل ويغرام، لكن الجهد الرئيسي في صياغة النص النهائي كان للأخير منهما بالتعاون مع المخرج غاي ريتشي نفسه.

    قامر غاي ريتشي باختيار الممثل تشارلي هونام لدور الملك آرثر بين ثلاثة مرشحين، ووفق في اختياره. يقال إن مغامرة ريتشي جاءت من خلال إعجابه بأداء هونام التمثيلي في الاختبارات، رغم عدم رضاه عن قوام هذا الممثل الميال لشيء من البدانة، لكن هونام عمد عقب فوزه بالدور إلى التدرب 16 ساعة يومياً، والقيام ب 500 مرة ضغط على الذراعين، حتى نمت له عضلات أذهلت المخرج نفسه عند الشروع بالتصوير. بالتالي، جمع تشارلي هونام بين المقدرة التمثيلية الجيدة والجسم الرياضي الممشوق، واستلهم حركات القتال بالسيف وسواه من ملاكم آيرلندي شهير له أسلوب يشبه قتال الشوارع. جاء الاختيار الثاني الجيد في اختيار المخرج الممثل المعروف جود لو لتجسيد شخصية الطاغية الشرير، فهذا الممثل مشهود له بحسن التقمص، وسبق أن لعب تحت إدارة ريتشي شخصية الدكتور واطسن في فيلمي "شرلوك هولمز". أبدع جود لو في دور شر يناقض ملامحه الوسيمة الهادئة، بل إن تلك الملامح بحد ذاتها خلقت شعوراً من الرهبة والتوتر. جلب المخرج أيضاً الممثل القدير إريك بانا لدور شرف، إذ أدى شخصية والد آرثر، الملك الذي انتزع عرشه من أقرب الناس إليه غيلةً وغدراً. أما المغامرة الأهم، فكانت اختيار غاي ريتشي لممثلة شابة إسبانية الأصل هي آستريد بيرجيه-فريسبي لأداء دور الساحرة الطيبة، وكانت شخصيتها أخاذة بالفعل بملامحها النحيلة وعينيها الثاقبتين وأدائها الحار.
    اختلف رأي النقاد اختلافاً شاسعاً مع غالبية الجمهور العريض حول "الملك آرثر: أسطورة السيف" (2017)، إذ تصيدوا فيه الهنات وحذلقة الأسلوب أحياناً، وتناسوا الميزات البصرية النابعة من خيال خصب خلاق التي راقت المشاهدين وأرضت شغفعم. لا شك أن هذا الفيلم يختلف عن الأفلام التاريخية الكبرى، من "كليوباترا" إلى "بن هور" إلى "المصارع" إلى "طروادة"، فهو ينتمي إلى سينما الخيال الفانتازي الجامح الأقرب إلى سينما الخيال العلمي منه إلى الواقعية التاريخية الرصينة. مشكلة الفيلم الكبرى أن طموح المخرج للتميز البصري والإبهار جعله ينحو نحو استخدام لكثير من اللمسات التجارية عبر الإسراف في تقنية الكومبيوتر. لكن "الملك آرثر: أسطورة السيف" نال في نهاية الأمر تقديراً جيداً قدره 7.4 درجات، وهو تقييم مبشر وواعد بأفلام خمسة لاحقة أفضل تكمل حكاية آرثر الشهيرة، وتصل بنا إلى شخصيتي جينفيير ولانسلوت، وإلى مملكة كاميلوت وفرسان المائدة المستديرة.







مواقع صديقة

 

آفاق سينمائية

مجلة إلكترونية أسبوعية