"كريد": أسطورة الملاكمة تستمر



د. رياض عصمت
    لم يكن أحد يتوقع أن يتم إنتاج جزء سابع لسلسلة "روكي"، ربما ولا حتى من قبل سلفستر ستالون نفسه. بدأت السلسلة في عام 1976 بالفيلم الذي أخرجه جون جي. أفيلدسن وحاز ثلاث جوائز أوسكار ورشح لبضع جوائز سواها، واعتبر كثيرون أن السلسلة استوفت حقها وانتهت بالفيلم الذي أخرجه سلفستر ستالون "روكي بالبوا" (2006). لكن فيلم "كريد" (2015) ظهر بعد صمت طويل ليصبح مفاجأة للجميع، بعد أن استطاع مخرجه الشاب الطموح رايان كوغلر إقناع النجم الكبير سلفستر ستالون بالعودة للظهور للمرة الأولى في دور مدرب لبطل أسود شاب دون أن يلاكم بنفسه، ولأول مرة أيضاً يلعب ستالون دور روكي في فيلم لم يكتب له السيناريو مثل الأفلام الستة السابقة. اختار المخرج الشاب لبطولة فيلم "كريد" أمام المخضرم ستالون ممثلاً شاباً سبق أن قدمه في فيلم سابق بعنوان "محطة الهاربين" (2013) هو مايكل بي. جوردان. الغريب أن نجاح فيلم "كريد" (2015) تجاوز جميع أفلام سلسلة "روكي" الستة، بما فيها الفيلم الأول حائز الأوسكارات الثلاثة. بالرغم أن الفيلم الأول من السلسلة نال 8.1 درجات، فها هو ذا الفيلم الجديد ينال 8.7 درجات.

    "كريد" هي كنية بطل الملاكمة الأسود أبولو كريد، خصم روكي الأول، ثم صديقه ومدربه فيما بعد، الذي قتل في الحلبة من قبل ملاكم سوفييتي عنيف في الجزء الرابع من السلسلة. أما بطل الفيلم السابع من السلسلة المعنون "كريد" فهو أدونيس، الابن غير الشرعي للبطل الراحل أبولو، الذي أدى دوره الممثل كارل ويثرز. يبدأ الفيلم بأدونيس صبياً مراهقاً يتشاجر في إصلاحية أحداث مع من أهان أمه. فجأة، تزوره امرأة في أواسط العمر إلى زنزانته المنفردة لتعرض عليه أن تتبناه لأنها أرملة والده الراحل أبولو، الذي ولد أدونيس كابن غير شرعي عقب وفاته فلم يعرفه أبداً. تتسامح الزوجة الثرية مع هفوة زوجها الراحل بحيث ترغب أن تضمن لابن زوجها اليتيم من الأب والأم مستقبلاً رغيداً. سرعان ما ينتقل بنا الفيلم إلى أدونيس شاباً، وإذا بنا نراه يستقيل من عمل مريح ومجزٍ في شركة ليتبع درب أبيه في أن يحترف الملاكمة. هكذا، يغادر أدونيس رفاهية منزل زوجة أبيه، ويعيش في غرفة متواضعة في فيلادلفيا، ويذهب إلى نادي الملاكمة القديم حيث يعلن عن موهبته، لكنه يكتشف على يدي محترف شاب أنه في حاجة إلى تدريب طويل رغم ما يملكه من حماسة وطموح. يتعرف أدونيس إلى جارته المغنية الشابة الحسناء، وتنشأ بينهما علاقة عاطفية. لا يجد أدونيس شخصاً يدربه أفضل من رفيق أبيه العجوز والمعتزل للملاكمة منذ زمن بعيد روكي بالبوا. يرفض روكي في البداية الاقتراح بشدة، قانعاً بإدارة المطعم الذي أطلق عليه اسم زوجته الراحلة أدريان. لكن إلحاح الشاب الطموح وذكرى صديقه الراحل أبولو يكفلان بإقناعه أن يقبل المهمة الصعبة. تبدأ رحلة التدريب القاسية، ويجمع روكي طاقماً قديماً خبيراً ليساعده، ويستخدم خبراته العريقة ليصقل موهبة الشاب الطموح بحيث ينجح في خوض تحدٍ مع ابن مدرب منافس ويتمكن من التغلب عليه. تنمو قصة الحب مع جارته المغنية، لكنها تتعقد حين يسلك سلوكاً عنيفاً إزاء منتج لأعمالها قبيل حفلة لها، فتقطع علاقتها معه. يلفت اتخاذ أدونيس جونسون كنية أبيه الراحل "كريد" نظر مدرب بريطاني مخضرم، فيسعى لترتيب نزال لربيبه بطل العالم للوزن الثقيل مع جونسون كريد، متوقعاً أن يلحق به بطل العالم هزيمة مذلة لاسم أبيه تضاعف من شهرته. يبذل روكي وطاقمه جهداً كبيراً لإعداد كريد الشاب للمباراة الني يتوقعون أن تستقطب متابعة الملايين على شاشات التلفزيون، فضلاً عن الآلاف في الملعب. لكن روكي يكتشف خلال فترة الإعداد إصابته بالسرطان، ويرفض أن يخضع للعلاج الكيماوي الذي لم تستفد منه شريكة حياته الراحلة أدريان. يكتشف الملاكم الشاب الحقيقة بمحض الصدفة، ويواجه روكي بأنه لن يقبل الاستمرار في التمرين ما لم يقبل روكي أن يواجه السرطان ويأخذ العلاج الكيماوي اللازم لشفائه. بالفعل، يعيد روكي التفكير ويخضع للعلاج الكيماوي كي يفي بوعده للشاب الطموح. هكذا، تبدأ التدريبات من جديد في غرفة المستشفى، وتتحسن صحة روكي تدريجياً مع تحسن خبرة مقاتله الشاب، ويفاجئ ربيبه بأن يجلب له إلى ليفربول قبيل المباراة حبيبته الشابة ليصالحهما ويعيد الوصال بينهما، كما يهدي روكي إلى كريد سروال يحمل ألوان أبيه أبولو ليخوض به المباراة ضد بطل العالم. بالرغم من شراسة خصمه البريطاني ومهارته الاحترافية إلا أن كريد يصمد 12 جولة، وينهض متحاملاً على الألم والجراح والكدمات كي يحقق حلمه ويعيد أسطورة أبيه على وقع لحن روكي الشهير، بينما يتابعه الملايين، بمن فيهم زوجة أبيه التي تبنته وأنشأته، وحبيبته التي حضرت المباراة شخصياً لتشجعه وتشد من أزره. يتمكن كريد رغم ما ألحق به خصمه من أذى أن يطرح خصمه أرضاً في الجولة الأخيرة بلكمة شبه قاضية، لا ينقذه منها سوى الجرس المعلن انتهاء المباراة ليعلن الحكام انتصار بطل العالم البريطاني، لكن الجمهور الذي كان في البداية يهتف للبطل البريطاني، يتحول بالهتاف في النهاية إلى كريد، الذي كان أكثر جدارة بالفوز باللقب.

    كتب سيناريو فيلم "كريد" (2015) إيرون كوفينغتون مع المخرج نفسه رايان كوغلر، وهي المرة الأولى التي ابتعد فيها سلفستر ستالون عن كتابة السيناريو بعد أفلام ستة كان المسؤول عن تأليفها، وأخرج منها أربعة بنفسه. نجاح فيلم "كريد" بلا شك هو نجاح غير متوقع - كما سبق ونوهنا - لأن كثيرين اعتبروا سلسلة "روكي" منتهية، بل ربما خالصة الصلاحية. لكن الفيلم الجديد جاء مفاجأة على جميع العيارات. إنه فيلم يعيد للأذهان الأسلوب الذي انتهجه أفيلدسن في البداية، أي فيلم جدي وجاد ينتهج الواقعية الصارمة. هنا، سار المخرج الشاب الأسود رايان كوغلر على الدرب نفسه، فصور أجواء كئيبة وبيئة فقيرة في فيلادلفيا، التي انتقل إليها الملاكم الشاب الطموح نقيضاً لرفاه الحياة في كنف زوجة أبيه. لا شك أن الممثل الشاب مايكل بي. جوردان أدى دوره المحوري بإخلاص وتميز، وأقنع بحضوره النفسي والجسدي المشاهدين عبر مشاهد صعبة. أما سلفستر ستالون، فلعب الدور وعمر 69 سنة، أي في عمر مدربه السابق في السلسلة، (الذي أدى دوره بورجيس ميرديث،) وأثبت ستالون أنه بعيداً عن نجوميته في أفلام الحركة والمغامرة والقتال وإطلاق النار في سلسلة "رامبو" وسواها ممثل يتمتع بموهبة أدائية عالية وإحساس مرهف. ربما كان هذا هو التحدي الأكبر الذي خاضه سلفستر ستالون في فيلم "كريد"، فهو يتجاوز في الفيلم تحدي روكي لمرض السرطان الذي ألمَّ به، ليضيف تحدي الفنان الذي أثبت للملأ أن موهبته تضارع كبار النجوم في تاريخ السينما. من الضروري الثناء أيضاً على أداء كل من الممثلة القديرة فيليسيا رشاد لدور زوجة الملاكم الراحل أبولو، والممثلة الشابة  تيسا تومسون لدور حبيبة البطل بيانكا، كما نثني على أداء غراهام ماكتافيش في دور المدرب البريطاني، وبطل الملاكمة توني بيلو في دور بطل العالم الملاكم كونلان. قامت بتصوير الفيلم ماريس ألبرتي، التي اشتهرت بتصويرها لأفلام واقعية ذات أجواء بائسة مثل "المصارع" (2008). اشترك في المونتاج كل من كلوديا كاستيللو ومايكل بي. شوفر. أما الموسيقا، فوضعها لودفيغ غورانسون، ولم يستخدم اللحن الشهير لسلسلة "روكي" من تأليف بيل كونتي إلا في المقطع الأخير خلال مباراة الملاكمة الحاسمة بحيث ألهب مشاعر الجمهور. اللافت للنظر أن المخرج الشاب رايان كوغلر، البالغ من العمر 29 عاماً فقط، اعتمد على عديد من التقنيين الذين تعاونوا معه، خاصة في نجاحه السينمائي السابق "محطة الهاربين"، مما يؤكد أنه سيكون في عداد المخرجين الكبار في هوليوود.







مواقع صديقة

 

آفاق سينمائية

مجلة إلكترونية أسبوعية