تحديات الدراما السورية .. ووهم سحب البساط


تحديات الدراما السورية .. ووهم سحب البساط

آفاق سينمائية ـ فؤاد مسعد :
الكثير من الدراميين السوريين اليوم يعملون بجدية لمواجهة فكرة يحاول البعض التسويق لها والعمل على تحقيقها ، خاصة في الخارج ، ألا وهي محاولة سحب البساط من تحت أقدام الصناعة الدرامية من سورية وتشتيتها وإفراغها من محتواها ودفعها للإلتهاء بموضوعات سطحية تخدم دعايات تسوّقها شركات إنتاجية وإعلانية كبرى تسعى للتحكم بسوق الدراما العربية كما ترغب وتشتهي ، وبالتالي تدهورها وانهيار بنيانها الذي شيّد على مر السنوات بجهد الرواد ومن جاء بعدهم من مبدعين ، وانتزاع ما تتمتع به من أهمية وفرادة ..
هي بعضاً من رؤى باتت واضحة المعالم وغير خافية على أحد ، لا بل أصبح بعضهم يجاهرون بها علانية ظناً منهم أن الدراما السورية دمية بيد بعض المعلنين والممولين الخارجيين يسيّرونها كما يرون ، يرفعونها متى شاؤوا ويفرملون تقدمها متى أرادوا !.. هذا الوهم الذي يتحول إلى سراب مع كل نجاح تحرزه الأعمال السورية .

ـ الأساس المتين والتحديات : ما بُني على صخر متين لا تهزه الرياح العاتية .. هذه حال الدراما السورية التي بنيت بجهود المبدعين الأوائل ، نضجت وحلّقت في آفق أكثر رحابة مع الأجيال اللاحقة بعد انتشارها على الفضائيات العربية ، وتألقت أكثر فأكثر مع مرور السنوات ، وأمست صناعة حقيقية لها تقاليدها وتراثها وسمعتها ، وفرضت وجودها بقوة وأهمية ما تقدم من أعمال كرّست حضورها على الشاشات العربية عامة ، ولكن هذا كله لم يعفها من الضريبة ومن الأمراض التي بدأت تصيب جسدها خاصة من المتسلقين على نجاحات الآخرين والمستسهلين ، تلك الأمراض التي لم تظهر للعلن بشكل صارخ بسبب مناعة هذه الدراما وأصالتها ، إلا أن الأزمة التي تمر بها سورية كانت بمثابة النار الذي امتحنت معدن هذه الصناعة فجاء ذهباً خالصاً ، وبالتالي العراقيل التي تواجهها الدراما السورية لم تكن وليدة الأزمة ، ولكن عاش الإنتاج الدرامي التحدي خلال السنوات الأربع الأخيرة ، واستمر تصوير الأعمال رغم الظروف وحققت درامانا حضورها المُحبب على الشاشات ، وإن غابت عن عدد منها ، إلا أن وقعها كان مؤثراً عند الجمهور الذي تابعها بشغف ، الأمر الذي يثبت (مرة أخرى) أن درامانا امتلكت الأرضية الصلبة والأساس المتين الذي شكّل جدار حماية ضد العوامل الطارئة وأمّن لها الاستمرار تحت أي ظرف .
وفي العودة إلى الوراء قليلاً وإلى المصاعب التي عانت منها الدراما السورية نجد أنها لم تقتصر على مصاعب مهنية ترتبط بالتمويل وبآلية العمل والتصوير ، وإنما تعدت ذلك نحو جملة من المحاولات ، منها على سبيل المثال لا الحصر ، أسلوب التعاطي مع المُنتج الدرامي في المحطات لدى السعي إلى تسويقه ، ومحاولة قوقعة نجاحها وهي في أوج عطائها بالمسلسل التاريخي فقط ، وهذا ما ظهر واضحاً حتى في نتائج مهرجانات عربية انسحب منها السوريون اعتراضاً على آلية التعاطي مع العمل السوري فيها وتقصّد تهميشه ، ما يُظهر أن محاولة البعض النيل من الدراما السورية لم يكن وليد اليوم أو المصادفة وإنما هو حالة يعبرون عنها متى استطاعوا لينزعوا عنها نجاحها وأهميته ، ويظهرون أن ما وصلت إليه لا يشكل سوى طفرة لا تكاد أن تنطفئ جذوتها .
وإلا ما معنى أن تمتنع بعض المحطات من عرض المسلسل السوري بحجة الأزمة ؟.. فيما سبق كان يتم تصوير مشاهد لمسلسلات سورية في الخارج ، كما كان هناك فنانون سوريون وعرباً يصورون أدوارهم في أعمال سورية وعربية داخل وخارج البلد سعياً لإنجاح العمل وإكسابه زخماً ودفعاً أكبر ، وحمل هذا التوجه بوادر إيجابية إن كان في القصد منه أو في نتائجه وآلية التعاطي معه ، إلا أن عدد من النقاد رأى حينها في بعض الأعمال التي انتجت ضمن هذا الإطار محاولة لسحب البساط من تحت أقدام الدراما السورية ، ولكن الخطورة ظهرت خلال السنوات الأربع الأخيرة ، من خلال ابتعاد بعض الشركات السورية عن الإنتاج ، وخاصة تلك التي كانت تعتمد في تمويل أعمالها فيما سبق على المال الخارجي ، كما ظهرت الخطورة في صورة أخرى تجلت في هجرة عدد من المنتجين والمخرجين والفنانين والفنيين للعمل في الخارج ، والحجة دائماً (العمل الذي يشاركون فيه هاماً ويعتبر تجربة جديدة تحوي بين طياتها عرباً من مختلف الأقطار) ، وبالنتيجة يتم إفراغ الساحة من المبدعين ، وكان التحدي قاسياً في السنة الأولى من الأزمة خاصة أن التوجس والحذر والترقب كان سمة من خاض تجربة الإنتاج حينها ، ولكن مع استمرار الأزمة تعامل معها الوسط الدرامي وسعى للتكيف مع الواقع ، فظهرت وجوه جديدة أثبتت فاعليتها وأهميتها ولكن في الوقت نفسه ظهر العديد من المتسلقين على المهنة والذين أساؤوا لها بشكل أو بآخر .
وبالتالي اجتمعت العديد من العوامل ، منها ابتعاد عدد من المبدعين ، في الوقت الذي يتم فيه ممارسة الحصار على التوزيع والتسويق ، وتوقف التمويل للإنتاج ومحاولة البعض إنتاج ما يُرضي رغبات محطات بعينها وإن جاء ذلك على حساب سمعة الدراما السورية ، إضافة إلى صعوبة التصوير في العديد من المناطق الأمر الذي انعكس على خيارات مواقع التصوير ..
ذلك كله شكّل في أحد أوجهه عراقيل من شأنها فرملة الإنتاج الدرامي السوري ، ولكنه على أرض الواقع شكّل قوة دفع حقيقية للتحدي والسير قدماً في تصوير الأعمال الدرامية حتى ضمن الظروف الصعبة والحفاظ على حضور المسلسل السوري على الشاشات ، وبقي سحب البساط من تحت أقدام الدراما السورية عصياً على من أراد لها ذلك .

ـ حماية العمل الدرامي : كثيراً ما أعلِن في الأعوام الأخيرة وبدافع النية الطيبة أنه ينبغي دفع الدراما السورية نحو الأمام ، ينبغي دعمها ، ينبغي أن يكون أمامها العديد من التسهيلات ، ينبغي تشجيع المنتجين والمبدعين ، ينبغي وينبغي ..
ولكن النيات الطيبة لوحدها لا تنقذ الدراما ، وانطلاقاً من هذه البديهية لقيت هذه النيات الصدى الإيجابي لتترجم على أرض الواقع عملاً مثمراً ، فتحولت من مجرد طموحات وأحلام إلى قرارات ومراسيم صدرت في السنوات الأخيرة سعياً لمد يد العون لها كلما احتاجت لتحافظ على مكانها التي حفرتها بعرق أبنائها . أما في الموسم الدرامي الأخير فيبدو أن هناك خطة جدية وإصرار على النهوض بهذه الصناعة والسعي إلى حمايتها ، هذا ما عكسته ورشة (مستقبل الدراما السورية
ـ الاستحقاقات والاحتياجات على ضفتي الاستجابة) التي أقامتها المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي برعاية وزارة الإعلام ، وخرجت بتوصيات وشكلت لجنة لمتابعتها ، ولأهمية أن يُقرن القول بالفعل كان أول الغيث ورشة لكتابة السيناريو التلفزيوني ، ومن ثم إقرار مادة سيناريو تلفزيوني بمنهاج المعهد العالي للفنون المسرحية ، وإعادة صياغة وتشكيل (لجان تظلّم قراءة السيناريو) بحيث لا يبقى الكاتب معزولاً عن أسباب الرفض ويحدث ذلك ضمن حالة من الحوار ..
إضافة إلى العديد من الطموحات التي باتت قابلة للتحقيق أو أنها في طور التحقيق فعلاً ، مما يعكس جدية الإصرار على إنقاذ الدراما السورية اليوم إيماناً بدورها الفاعل وبأنها تحتل رتبة سفير فوق العادة على الشاشات العربية وفي أفئدة الجمهور العربي قاطبة . وعلى صعيد الإنتاج يبدو أن هناك جدية في طرح موضوعات تمس الناس حقيقة فالمؤشرات الأحدث لما يتم تصويره في الموسم الدرامي الجديد تشي بأن عدد المسلسلات التي تحمل فكراً ومضموناً يعكس هموم الناس ويقدم رؤى ومواقف في تزايد مستمر ، ويحدث ذلك مع استمرار تصوير أعمال أقل أهمية وأخرى متدنية المستوى على الرغم من كل الجهود الرامية إلى الحد من إنجاز ما قد يسيء إلى الصورة الناصعة للدراما السورية .
مما لا شك فيه أن العمل كثير ، ويحتاج إلى تضافر العديد من الجهود إن كان في القطاعين العام أو الخاص ، أو على صعيد بعض المؤسسات والجهات المختلفة التي يتطلب منها تقديم بعض التسهيلات والدعم لإنجاز العمل الدرامي وخروجه إلى النور ، فالدراما السورية تستحق أن تبقى في المقدمة ، هي تحتاج إلى التشجيع وتقديم التسهيلات اللازمة تمويلاً وإنتاجاً وتسويقاً ، تحتاج من أبنائها الحب والإيمان بأهمية ما يمكن أن تقدمه ضمن إطار تنافسي نظيف وراقٍ ، لتشكل في النتيجة الملجأ الدافئ والحضن الآمن الذي يمتلك كافة مقومات النجاح والتقدم وعناصر القوة والاستمرار ، للسير بخطى ثابتة ملؤها الثقة ، وبالتالي قطع الطريق أمام من يريد سحب البساط من تحت أقدام هذه الصناعة بحجج واهية ومفبركة ، تلك الصناعة التي استطاعت الوقوف في وجه الريح العاتية وتابعت المسير

 

 







مواقع صديقة

 

آفاق سينمائية

مجلة إلكترونية أسبوعية